محمد الغزالي

356

فقه السيرة ( الغزالي )

مكاتبة الملوك والأمراء كان الفرس يحتلون أجزاء كبيرة من جنوب الجزيرة ، وكان الرومان يحتلون أجزاء أخرى من شمالها ، وقد انتشرت ديانة المحتلّين في الأقاليم التي أخضعوها لنفوذهم ، ومن العبث إرجاع هذا الانتشار للحرية العقلية المحضة ، وعلى أية حال فإنّ المجوسية سادت الأقاليم التابعة لفارس ، والنصرانية سادت الأقاليم التابعة للرومان ، وكان أمراء هذه الأقاليم يعيّنون من قبل الدول الحاكمة ، وينصاعون لأوامرها . وقد رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرسل بكتبه إلى رؤساء الدول الكبرى ، وإلى أمراء الولايات المحتلة على سواء ، يدعوهم إلى اللّه ، ويعرض عليهم الإسلام . روى مسلم عن أنس رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي - وهو غير الذي صلّى عليه - وإلى كل جبّار ؛ يدعوهم إلى اللّه عز وجلّ . [ كتابه إلى قيصر ملك الروم ] : بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( دحية بن خليفة ) بكتابه إلى قيصر الروم ، وليس الوصول إلى قيصر بدعوة غريبة على مسامعه أمرا سهلا ، فكيف وهي - في نظر الرومان - من أعرابي ساذج ينتمي إلى قوم تحت سلطانهم ! ! . وتقديرا لهذه الأوضاع اختار النبي صلى اللّه عليه وسلم لتلك المهمة من يقوم بها إيمانا واحتسابا غير مبال بعواقبها عليه ولا نتائجها عند من يدعوه . فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر ، وله الجنّة ؟ » فقال رجل : وإن لم يقبل ؟ قال : « وإن لم يقبل ! » فأخذ دحية الكتاب ، وسافر به إلى أرض الروم ، فوافق هرقل وهو مقبل على بيت المقدس ، يزوره عقب انتصاره على الفرس قربى إلى اللّه . وتناول قيصر الكتاب ، فقرأ فيه : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . من محمّد